”البيكاسوية”أو ”العصفورية” روايةُ لغازي القصيبي
David Schmidt
Published Mar 30, 2026
مما يروى عن الفنان الإسباني بابلو بيكاسوأنه اقترن بسبع نساء, هامَ - كما يروى - بهن جميعا، أو هام برسمهن. وقد بيع مؤخرارسم تخطيطي له، يصور عشيقته جنفياف لابورت مضطجعة وعارية، بأكثر من نصف مليوندولار. كما أن من أشهر لوحاته لوحة (الجرنيكا) وهي التي عبر فيها بيكاسو عن رفضهللفاشية، وتهاجم الحرب بشكل واضح.
الداعي لهذه المقدمة (البيكاسوية) حسب صحيفة الوطن السعودية، هوروايةُالعصفورية لغازي القصيبي، فهذه القراءة تزعم أنها ستتكئ تماما على غلافها الخارجي،الذي يشتمل على لوحة (الاستديو) لبيكاسو، وعنوان الرواية المكتوب بلون داكن علىخلفية داكنة.
تدخلك الرواية في عالم غامض يعج بمتناقضات شتى، وعوالم مختلفة تصلإلى حد التباين، قد يرى المرء أن من الصعب اجتماعها في رواية واحدة دون، وهذا مهمجدا، أن ينفرط الخيط الحكائي في الرواية.
وفي الحقيقة فإن هذه الرواية تحتاج منقارئها إلى جهد كبير كي يلملم الحكاية فيها، حيث بنيت أساسا على التفتت والتشظي منخلال هدم الحدث، فلا يكاد القارئ يمسك بخيط من خيوطها حتى يشغله طرف آخر ، فيبقىأسير سرد البطل (البروفيسور) لقصته، حيث يمتد من خلالها المشهد الواحد صفحات طويلةفي معظم الحالات
تجمع رواية العصفورية بين غلافيها قصة البروفيسور الذي يقتاتههم كبير على وطنه المتشظي، فيستغل كل ما بوسعه لإعادة اللحمة القومية لوطنه الكبير،وهو ما أطلق عليه في الرواية (عربستان). بدأت أزمات البروفيسور بانهيار علاقة رائعةله مع فتاة في أمريكا، إذ بمجرد اكتشافه يهوديتها، هدم كل ما شُيِّد بينهما من حب،نتيجة تشربه لحب وطنه، واعتبار العدو عدوا في كل حالاته وتشكلاته، ولذلك فقد عبـّركثيرا لطبيبه عن مدى تفريقه بين أجهزة الاستخبارات والديانات، فاليهودية، التي تعودإليها حبيبته سوزان شيلنج التي أسماها (سوبر) نسبة إلى السوبر ماركت الذي يملكهأبوها، لم تغضبه، وإنما أغضبه عدم إطلاعها إياه على يهوديتها، فظن أنها تعمل لحسابالاستخبارات "يهودية؟! يهودية؟! يهودية؟! ولا تقولين لي! ولا تخبرينني! تسمعيننيأسب إسرائيل وألعن الصهاينة وأنت صامتة؟! تطبعين خطبي في تأييد القضية الفلسطينيةولا تتكلمين؟! هل أنت جاسوسة إسرائيلية؟! " ص (74).
بعد ذلك تبدأ معاناته مع مصحاتنفسية كثيرة تنقل بينها، نتيجة بعض الحوادث التي مرت به، شك فيها المسعفون له بأنهامحاولات انتحار، وهو ما حاول إيضاحه لطبيبه في العصفورية د. ثابت، ومن خلال جلساتهمع هذا الأخير حكى له قصة حياته في عشرين ساعة متواصلة، دون أن يشعرا بتلك المدةالطويلة من الحديث في غرفة واحدة، هي غرفة، أو بشكل أدق جناح، البروفيسور بشارالغول. يقول الطبيب واصفا جناح البروفيسور:"ما شاء الله! ما شاء الله! صالون. وغرفةطعام. وغرفة نوم. ورفوف كتب. وكاميرات فيديو. وستيريو. (البروفيسور): كل شيء بثمنهكما قال المعلم رضا... (الطبيب): بتاريخ العصفورية ما سكن مريض بجناح." ص (11).
لعل اختيار لوحة بيكاسو (الاستديو) صورة الغلاف ما يوحي بدلالات في غايةالأهمية في هذه الرواية، فالعلائق الثقافية وثيقة بين شخصية البروفيسور في الروايةوبيكاسو، فالبروفيسور إذا كان قد وضع جزءا كبيرا من ثروته في خدمة قضية وطنه وهيالوحدة التي عاشها يوتوبياً فقط، فإن بيكاسو، كما مر، حارب بريشته الحروبوالاستبداد ، خاصة ما ذكر عن لوحته الجرنيكا. كان ذلك من ناحية، أما الناحيةالثانية فهي أن اختيار لوحة بيكاسو يأتي في سياق فكرة اللوحة كما يأتي في سياق حياةبيكاسو الواقعية. فهناك تشابه من حيث العلاقات النسائية بين الاثنين البروفيسوروبيكاسو. فإذا كان المشهور عن بيكاسو أنه زير نساء فإن البروفيسور كان صاحب صولاتوجولات مع العنصر النسائي هو الآخر، فكان يقيم العديد من العلاقات مع النساء سواءأكان في لقاءاته العديدة خارج المصحات، أم في المصحات التي كان يدخلها ويلتقي ليسبالنساء التقليديات بل بالمشاهير منهن، هذا عدا أنه اقترن بامرأتـين من أغرب نساءالبشر ولَسْنَ البشريات: أما الأولى فهي امرأة من الجن تسمى دفاية، وهو ما يمت بصلةوثيقة مع كثير من الحكايات الشعبية العربية من تزاوج الرجال البشريين بنساء الجن،أما المرأة الأخرى فهي فراشة، وهي قادمة من كوكب آخر غير أرضنا. وأخيرا هناك جانبمهم في اختيار لوحة بيكاسو، فكما هو معلوم، بيكاسو فنان إسباني، وللعرب في إسبانياذكريات وحيوات تمتد قرونا في جوف التاريخ، وهو التاريخ المضيء في أيام العرب، حيثبنيت الحضارة العربية في شكلها المثالي، وتعايش العرب وغيرهم من أبناء الفرنجة دوننزاعات، أو تفرقة دينية أو عرقية أو حتى مذهبية، وكانوا يمثلون الشكل الناضج للحياةالمدنية المتحضرة في شكلها الفسيفسائي، وهذه الوحدة هي لب ما دعا إليه البروفيسور.
أما لوحة الاستديو تحديدا فإن لها دورا مهما في عكس ما تمور به الرواية منأحداث، فالرواية تعكس واقعا عربيا مشتتا، والاستديو إذا كان يعيد رسم الواقع فإنهمنظر لواقع، قد يكون المنظر يعطي الواقع كما هو، أي على حقيقته، وقد يكون منظرامزيفا مختلفا عما هو خارج الاستديو. إضافة إلى ذلك فإن لوحة الاستديو لبيكاسو يبدوأنها تعبر عن المرحلة الرمزية لفن بيكاسو، وهي أفضل تعبير عن التجزئة والتشتت، بفضلعناصرها المجزأة.
الرواية اسمها العصفورية، ما يحيل القارئ مباشرة إلى عالممختلف من نظام التفكير، ومن نمط المعيش، ومن نظرة المجتمع إليه. فالذين يقطنونالعصفورية، وهي مصحات الاستشفاء النفسي، هم الذين يعانون أو يُظَن أنهم يعانون منأمراض نفسية أو عصبية، ولذلك يعيشون في نظر من هم خارج العصفورية نظاما من التفكيرغير السوي، وهو ما جعل البروفيسور يؤكد للطبيب، حينما زعم أن تاريخ العصفورية لايوجد به مريض سكن بجناح، أنه ليس مريضا "أولا يا دكتور، أنا لست مريضا، أنا ضيف" ص (11).
إن إطلاق العصفورية يشي بالوضع العربي، ويتأكد ذلك في أن الرواية ذكرتبقية المصحات النفسية في العالم كمصحة مونتري وجنيف وغيرها بعد صفة (مصحة) بينما فيمكان المكوث الأخير للبروفيسور مع الدكتور ثابت يسمى عصفورية، وهذا كما يبدو يعكسالوضع العربي الراهن الذي يمثل التفرق والتشرذم، كما أنه يمثل استحقاق نظرة الشفقةالتي مرت من قبل تجاه سكان العصفوريات، وهو أيضا يمثل التجزيء والتدوّل في البقاءخلف الأشرطة الحدودية الحمراء، فكما أن قاطني العصفورية يعيشون عنوة في عنابرمعزولة خشية على بعضهم البعض، فإن شعب عربستان أيضا يعيش الحالة ذاتها من الخوف منبعضهم البعض، خاضعين للتقسيمات الحدودية كما خضعت حياة المجانين لجدران العنابربناء على حالاتهم العقلية والنفسية.
إذن رواية العصفورية هي في حقيقتها تعبيرعن حياة من التشظي، والتفرق، فحين قراءة الرواية يجد القارئ أن لا زمن سوى زمنالجلسة العلاجية، وهو زمن الحكي، وهو ما يوحي بأن كرونولوجية الزمن هنا لا يمكنالإمساك بها سوى في المصحة، أما في الأحداث فإن خضوعها للتسلسل العمودي يغدومستحيلا، وأدى ذلك إلى نتيجة حتمية هي أن الحدث هو الآخر انفلت في عبثية الزمن،وغدا هو الآخر مشتتا، يصعب الإمساك به في شكله التصاعدي، بل يمكن للقارئ أن يعيدتشكيله وفق قراءته له.
تنعكس شخصية بيكاسو المشتتة أصلا بين العلاقات النسويةالمتناثرة على قلوب سبع نساء على تشتت البروفيسور الذي يحاول أن يركز جهوده دائمافي مشاكل عربستان، وبالحديث عن بيكاسو يمكن الحديث عن فعل الحروب بالناس، وما ينتجعنها من شتات وضياع، وهذا أيضا يعبر عن حالة التشظي.
أخيرا فإن كلام البروفيسورللطبيب (د. ثابت) جاء في شكل متناثر،لم تدع شيئا إلا وذكرته، سواء أكان في شكلشخصيات أو أحداث أو علاقات أو أماكن أو حتى مصطلحات، وكل ذلك جاء على شكل جلسة علاجنفسية، ما يوحي بالولوج إلى اللاشعور في بعض الأحايين. لا ينتظمه ناظم معين، فهوأشبه بهذيان يحاول أن يسيطر عليه صاحبه بين الفينة والأخرى إما بتذكر السياق الذيخرج عنه، أو بطلب الطبيب تذكيره بالموضوع نحو"عماذا كنا نتكلم؟"ص (155)، أو أنيقاطع الطبيب حديثه ليرده إلى صلب موضوعهما"عفوا يا بروفيسور! لا أريد أن أسمع قصصالناس. أريد أن أسمع قصتك أنت" ص 209