C
Celeb Spill Daily

ألف ليلة وليلة كنز إبداعي للدراما الرمضانية

Author

David Schmidt

Published Mar 27, 2026

07/13 10:33

يكاد شهر رمضان الفضيل الذي يستعد للرحيل يقترن بالعمل الادبي الخالد “ألف ليله وليله” الذي يبرهن مجددا علي انه “كنز درامي ومعين لا ينضب للابداع” في العالم قاطبه علي مر الاعوام والاجيال واختلاف الالسن واللغات والمناطق.

وكان الشاعر الراحل الكبير طاهر ابو فاشا قد كتب اكثر من 800 حلقه من “الف ليله وليله” بثتها اذاعة البرنامج العام من القاهره علي مدي 26 عاما وما زالت تشكل زادا من الذكريات الرمضانيه المبهجه لاجيال عاصرت هذا العمل الاذاعي الخالد منذ ستينيات القرن العشرين والصوت المميز للممثله الكبيره زوزو نبيل الذي كان يحلق بالمستمع لعوالم الف ليله الساحره، بحسب وكاله أنباء “الشرق الاوسط”.

ومع عوده الف ليله وليله للدراما التلفزيونيه في شهر رمضان الحالي يحق التساؤل :”ما السر في ان الف ليله وليله ما زالت قادره علي ابهار الاجيال الجديده كما ابهرت الاجيال القديمه واي خلطه سحريه حققت لها كل هذا التغلغل والامتاع والاثاره؟!.

فبعد غياب طويل عادت حكايات الف ليله وليله لدراما رمضان هذا العام فيما امتزج عبقها الخالد باحدث تقنيات الجرافيك ومستحدثات الابهار البصري علي شاشه التلفزيون بل ان مخرج هذا العمل رؤوف عبد العزيز استعان بخبراء تقنيين شاركوا في صنع سلسله افلام هاري بوتر الشهيره.

ويري الممثل شريف منير الذي تقاسم بطوله الف ليله وليله التلفزيونيه الرمضانيه هذا العام مع الممثله نيكول سابا انه علي الرغم من تقديم هذا العمل الخالد في الاذاعه والتلفزيون من قبل فان الامكانات التقنيه الجديده يمكن ان تمنح المسلسل الحالي المزيد من الابهار.

واذا كانت حكايات الف ليله قد قدمت بصيغ متعدده وقوالب مختلفه في الاذاعه والتلفزيون والسينما فان شريف منير او “شهريار” في هذا المسلسل لم يجانب الصواب عندما اشار الي ان حكايات الف ليله وليله قادره علي جذب الصغار والكبار معا فيما اشارت نيكول سابا او “شهرزاد” للمغزي الاخلاقي لهذا العمل والذي ينبغي توصيله للاجيال الجديده.

ولئن اتفق العديد من النقاد والدارسين علي ان “الف ليله وليله” تشكل ذروه عاليه في الخيال الابداعي وجماليات السرد والتشويق فان حرص كثير من المشاهدين علي متابعه مسلسل الف ليله وليله التلفزيوني في رمضان عام 2015 انما يبرهن حقا علي مدي ثراء هذا العمل الادبي الخالد الذي تحول “لكنز درامي رمضاني” عابر للاجيال.

والمثير للتامل ان الف ليله وليله تحولت لظاهره روائيه كونيه وهي موضع حفاوه في المركز الغربي والرؤيه الاوروبيه منذ ان تمكن انطون جالون في بدايه القرن ال(18) وهو عصر التنوير من جمع اول مخطوطه كامله لها من خلال جولاته في بلاد الشرق وان يقدم ترجمه فرنسيه لها بدات تخرجها المطابع الفرنسيه بين عامي 1705 و1712 اي قبل ان تعرف النسخه العربيه من الف ليله طريقها للمطبعه في العالم العربي باكثر من قرن وربع.

وهكذا افتتحت الف ليله وليله كما ترجمها انطوان جالون عصر التنوير الاوروبي وهو عصر فولتير 1694-1778 وجان جاك روسو 1712-1778 وديدرو 1713-1748 ومومنتسكيو وغيرهم من رواد التنوير وقد تاثروا جميعا بهذا العمل الذي اهداه انطون جالون 1646-1715 الي الادب الفرنسي والاداب العالميه في ترجمه من 12 مجلدا.

ابهرت الف ليله وليله بترجمتها الفرنسيه خاصه القراء وعامتهم حتي ان المطابع الفرنسيه وقتها عجزت عن ان توفر نسخا لكل الراغبين في الشراء فكانت تلجا لتاجير النسخه الواحده بحساب الايام او الساعات. واستمر هذا الاعجاب الفرنسي والاوروبي خلال القرن ال(18) سواء علي مستوي الحديث عن المتعه التي يجدها قاريء الليالي حتي انه ليعيد قراءتها مرات ومرات ويتمني احدهم وقد اعادها عشرين مره ان ينساها لكي يتمتع بقراءتها عشرين مره اخري او علي مستوي ادراك الاثر العميق في تغيير النظره التقليديه لعناصر النفس الانسانيه الفاعله وموقع عنصر الهوي او الحب منها والذي كان يقلل الكلاسيكيون من شانه ويقدمون عليه عنصر العقل ويغض بعض الفلاسفه من قيمته فاذا بشخصيه شهرزاد تثبت انه اقوي عناصر النفس وانه نجح في ايقاف سفك الدماء الذي لم تنجح فيه سيوف الرجال ولا عضلاتهم وانه استعان بالحكايه والكلمه لكي يجعلها معادلا للحياه ذاتها.

وبعد ترجمه انطوان جالون انطلقت موجه من الترجمات لالف ليله في اغلب لغات العالم حتي لم تكد تخلو لغه من اللغات الكبري او الصغري من ترجمه هذا العمل الخالد اليها .. لقد طرحت الدراسات التي انطلقت مع سلفستر دي ساسي منذ بدايات القرن ال(19) مجموعه كبري من الاسئله والفروض والاطروحات حول الف ليله وتطور مخطوطاتها وتعدد مراحلها من الليالي الهنديه الي الليالي البغداديه الي الليالي القاهريه.

وكذلك تتبع فترات تدوينها ومحاوله تحديد التاريخ الدقيق لاستقرار النسخه المكتوبه في القاهره نحو عام 1530 فضلا عن الوقوف امام مستويات النص النثري بها ومصادر النص الشعري ودلالات الحياه الاجتماعيه والسياسيه والاقتصاديه ومحاوله القياس الدقيق لنبض العالم الاسلامي خلال المراحل المختلفه التي مرت بها حكايات الف ليله وليله علي امتداد اكثر من سته قرون عاشها النص المفتوح لها حتي استقر بالقاهره في القرن ال(16).

ومن المشاهد المالوفه في صرح اكاديمي مثل جامعه السوربون والكوليج دي فرانس ان تجد حلقات بحثيه حول الف ليله وليله يشارك فيها اساتذه من تخصصات مختلفه يحللون معا حكايه من حكايات الف ليله من زوايا متعدده مثل حكايه ابو صير وابو قير وان تنساب التاملات العميقه حول الجوانب الحضاريه والاجتماعيه والاقتصاديه والسياسيه للمجتمع العربي الاسلامي.

وايا كان المقياس الذي يمكن ان يتخذه القاريء او الدارس معيارا لعظمه عمل ادبي ما فان الف ليله وليله ستظل في الصداره بين تلك الاعمال العالميه الكبيره فيما يتسع المجال الذي يضم قارئيها ليشمل الفيلسوف المتعمق والمؤرخ المدقق وعالم الاجتماع والباحث في تطور اللغه او في انتقال الاساطير لجانب جمهور عريض من طلاب التسليه او المتعه وعشاق الرحله في عالم الجان والخيال والانتقال الميسور في المكان والزمان علي اجنحه رخ السندباد او اشعه مصباح علاء الدين او الانغماس في صفوف الذين يتبعون علي بابا لاقتحام الكنز الدفين.

ويؤكد كثير من النقاد ومن بينهم عميد الادب العربي الراحل طه حسين ان اثار الف ليله وليله واضحه في حكايات فولتير سواء علي مستوي الماده الخام او التقنيات الروائيه .. فقد مر فولتير بمرحله في حياته قرا فيها ترجمه الف ليله وليله فشاقته وراقته ووجهته لدراسه امور الشرق فغرق في هذه الدراسه الي اذنيه واخرج الي الناس قصصا شرقيه بارعه كثيره.

وهناك كتاب جديد لمارينا وارنر بعنوان “سحر غريب” عن الف ليله وليله الساحره الخالده في الشرق والغرب معا فيما تقول المؤلفه ان هذا العمل الفاتن عبر التاريخ والاجيال يثبت ان الفن قادر علي رد الموت وان السرد المبدع يعادل الحياه في مواجهه الشرور وازهاق ارواح البشر.

وبدا الكتاب الجديد الذي يقع في 436 صفحه وكانه تشريح منهجي معرفي لالف ليله وليله فيما تلفت مارينا وارنر الي ان الف ليله وليله هي” حكايات داخل الحكايات وحكايات عن الحكايات” بما يتجاوز التسليه البسيطه او السطحيه ومن ثم فالليالي بحاجه لقراءه واعيه.

ومن اول وهله يلحظ القاريء مدي الاتقان في هذا الكتاب حيث عمدت المؤلفه للشرح المضيء مع المعلومات الغزيره والهوامش التي تخدم المتن دون ان تشوش عليه فضلا عن تنوع المصادر وتعدد المراجع التي استعانت بها في حديثها عن السحر الغريب لالف ليله وليله.

ومع ان الروايات الشفاهيه عن الف ليله وليله تسربت رويدا رويدا لاوروبا عبر حقب طويله ومنذ زمن بعيد وتجلت مؤثراتها في اعمال عمالقه الفلسفه والفن والادب الاوروبي مثل دانتي وشكسبير الا انها باتت جزءا من التيار الرئيسي للثقافه الادبيه والشعبيه الاوروبيه في القرن ال(18) بفضل ترجمتها للفرنسيه علي يد انطونيو جالاند.

وهكذا عرف الاوروبيون علاء الدين ومصباحه السحري وعلي بابا وال40 حرامي وراحوا يتناقلون حكايات الف ليله وليله بانبهار وشغف فيما لا تستبعد مارينا وارنر ان يكون المترجم الفرنسي جالاند قد استحدث بعض التعديلات والاضافات اثناء ترجمته لهذا العمل الخالد وتبدو مستحسنه لهذا التوجه في الترجمه.

غير ان المقوله التي قد تكون جديره بالاستحسان والموافقه في هذا الكتاب الجديد ان مارينا وارنر اعتبرت الف ليله وليله في رحلتها بين الشرق والغرب مثال جيد للحوار والتفاعل بين الحضارات مؤكده ان الليالي بقت كقوه غامضه تفعل افاعيلها الابداعيه في الثقافه المعاصره.

ولم تخف مارينا وارنر تاثرها بافكار المفكر الراحل ادوارد سعيد عن اهميه التلاقح والتفاعل الثقافي بين الحضارات بدلا من الهيمنه الغربيه علي بقيه شعوب العالم منوهه بان الف ليله وليله تثبت انه اذا كانت السياسه تفرق بين الشعوب المنتميه لحضارات مختلفه فان الادب والفن والفلسفه التي لا تعرف الحدود والقيود قادره علي تحقيق التواصل الايجابي بين الشرق والغرب.

وفي مقابل الافكار الانسانيه للراحل والاستاذ المرموق في جامعه كولومبيا ادوارد سعيد كان هناك جيل من المستشرقين في الغرب لم يكف عن محاوله فهم الشرق ليس من اجل تعزيز الحوار والتفاعل الانساني وانما من اجل تكريس الهيمنه الغربيه كما تلاحظ مؤلفه الكتاب وبحيث تتحول ثقافه مثل الثقافه العربيه لساحه تغزوها الثقافه الغربيه او تتحول في افضل الاحوال لماده غرائبيه لتسليه الاوروبيين.

وتعيد مارينا وارنر للاذهان في كتابها “سحر غريب” ان الف ليله وليله ترجمت من العربيه للفرنسيه في عصر التنوير او الانوار الاوروبي، موضحه ان الاستناره شرط للحوار والتفاعل الايجابي بين الحضارات والثقافات المختلفه.

ومن طرائف الاكتشافات في هذا الكتاب الجديد ما تؤكده المؤلفه من ان بعض المناطق في المشرق العربي كانت تسلم في القرن ال(14) بمساله زواج الانس والجان بل ان الامر وصل لحد تقنين هذه الزيجات.

وخصصت مارينا وارنر حيزا في كتابها لمناقشه قضيه علاقه الانسان بالجماد كما تضمنتها الف ليله وليله من بساط الريح لمصباح علاء الدين وهي قضيه راسخه في الذهن الانساني ولعلها تتجلي بوضوح في الرسوم المتحركه كفن معاصر بل ان النظره المتمعنه تكشف عن تاثير كبير لالف ليله وليله علي هذا الفن المعاصر.

واذا كانت شهرزاد قد اختارت ان تحكي كل ليله حكايه لشهريار فداء لروحها المعلقه بكلمه منه فانها اهدت البشريه كلها فنا خالدا وحكايات ما زالت تبهر الشرق والغرب معا.

وقد سبق وان تساءل الباحث الايرلندي تيم سيفرن حول حكايات السندباد البحري ورحلاته السبع وما اذا كانت كلها من نسج الخيال او انها يمكن ان يكون ورائها لون من الوان المعرفه الواسعه من اسرار بحار العالم من جانب الامبراطوريه الاسلاميه ولون من الاهتمام الذي نسميه الان بالامن القومي الواسع المدي تحرص من خلاله عاصمه الامبراطوريه في بغداد.

ولم يكن بمقدور الكاتب الايطالي الكبير ايتالو كالفينو ان يقاوم سحر الف ليله وليله وهو يبدع روايته الخالده “لو ان مسافرا في ليله شتاء” ومن ثم فقد تضمنت هذه الروايه التي توصف “بروايه الروايات” حكايه من حكايات الف ليله وليله وعصر هارون الرشيد واشارات داله حول مقارنات بين الطبعات المختلفه لهذا العمل الادبي الساحر.

لكن اللافت ان بعض المثقفين المصريين والعرب يتمنعون عن كشف مشاعرهم الحميمه حيال الف ليله وكانها ستنال من ثقافتهم الرفيعه المستوي!.. وفي المقابل ستجد الباحثين الاجانب يضيفون افكارا ويطورون مفاهيم حول الف ليله ومن واقع تاملاتهم بين طيات وثنايا المبني والمعني في هذا العمل الادبي الخالد.

ويذهب باحثون الي ان الليالي المصريه تشكل من ناحيه الترتيب التاريخي المرحله الاخيره الاكثر نضجا والتي تمتد خيوطها بالضروره في المراحل السابقه ولا تنفصل عنها.

وستستمر التساؤلات حول اسرار العبقريه الفنيه للراوي المصري المجهول الذي صاغ حكايات مثل ابو صير وابو قير ودليله المحتاله وزينب النصابه ومعروف الاسكافي والصعيدي وزوجته الافرنجيه ومريم الزناريه وعلاء الدين ابو الشامات والملك النعمان وابنه الامير شركان وغيرها من الحكايات التي يتم نسج الخيوط فيها علي يد حكاء ماهر محترف مجهول صنع حكايات تاخذ بالالباب وتغري السمار في حلقه الراوي بالعوده اليها في الليله التاليه.

ومع الثراء الجمالي للشكل والمزج بين بساطه الواقعيه السحريه وحيل الابهار الخارقه حسب طبيعه الموقف فان المضامين تشف عند التامل في خصائص هامه في بنيه مجتمعات ما زلنا نعيش امتداداتها وظواهر ربما لو خضعت لتاملات المتخصصين في شتي فروع المعرفه لوجدنا في بعضها اشارات لكثير من مشاكلنا المعاصره.

وهل يمكن لحكايه دليله المحتاله الا ان تكون تجسيدا لصراعات السلطه وتعدد انواع ذلك الصراع بين سلطه الحاضر وبقايا سلطه الماضي والقوه الناعمه الخفيه والقوه الخشنه الظاهره وهل يمكن ونحن نتامل صوره الفرنجه في ادب عصر الحروب الصليبيه من خلال الف ليله وليله عبر حكايه الملك النعمان مثلا ان نغفل صور الامراء والقاده وهم يرتمون في احضان الشهوات ويغلبون مصالحهم علي المصالح العامه وما يترتب علي ذلك من اثار مدمره؟..

بينما نري في المقابل عنصر المراه الافرنجيه في صورتها الايجابيه مقاتله شجاعه او مخططه او جاسوسه ناجحه في خدمه اهداف امتها وهي تلعب دورا هاما في احداث النصر لفريقها مقابل الاختفاء الكامل لدور المراه العربيه في حلبه الصراع بالمعني الايجابي؟ والتصوير الكاريكاتوري لبعض الشبان العشاق عندنا والذين لا يرون في المراه الافرنجيه الا صيدا جسديا سهلا فيفاجاون بانها اصلب منهم حتي في ميدان الفروسيه والقتال؟.

ان الجوانب الثريه في الف ليله لاحدود لها وهي تتضاعف عندما نتاملها منطلقين من داخل العمل الي خارجه ومن مثله الي اشعاعاته وهو ما يحدث غالبا في كثير من الدراسات الاجنبيه التي تدور حول الليالي لكن هذا الثراء قد يتواري بدرجه او باخري اذا اتبعنا المنهج العكسي فنظرنا الي العمل من خارجه وتحاورنا حوله وليس من خلاله وهو ما يحدث لدينا كثيرا عندما تثور معارك حول الف ليله وليله مطالبه بالحظر او بالاباحه او التحريم او التجريم او الدخول في دائره الحريات ومقتضياتها.