C
Celeb Spill Daily

الصراع بين القبلية والإسلام بعد وفاة النبي الجزء الأول -

Author

David Schmidt

Published Mar 28, 2026

02/25 10:10

الفتنة الكبري ، كما يحلو لجمهور المؤرخين المسلمين تسميتها ، أو الحرب الأهلية بين المسلمين وهو المصطلح الدقيق العلمي التاريخي ، كانت هي العنوان العريض لما حدث بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم .

وهو ما يجرنا سريعاً للحديث عن أطراف تلك الحرب ، ومتي بدأت ، وهل لها جذور عميقة في فترة ما بعد وفاة النبي ؟ أم انها وليدة الظروف والأحداث ؟

وقبل ان نبدأ حديثنا عن هذه الفترة ، لابد لنا أن نتفق علي بعض الأطر خلال حديثنا عن هذه الفترة ، أهم وأول هذه الأطر  ، هو ان الصحابة بشر في النهاية لهم مالهم وعليهم ما عليهم ، ليسوا ملائكة مقربين ، أو بشر منزهين كما يحلو للرديكاليين من الكتاب أن يصوروهم أو شياطين يسفكون دماء بعض البعض كما يصورهم المتطرفين من العلمانيين علي وجه التحديد ، لكنها علي أية حال تجربة إنسانية ظهر فيها الصراع والرحمة ، الشجاعة والجبن ، التضحية والبذل والعطاء ، والدماء الذكية التي هدرت بدون جريرة ، فالصراع إنساني وعلينا أن نبحث من هذه الناحية لعلنا نتعلم من سيرتهم العطرة في النهاية .

أما الثاني وهي أن الحرب الأهلية تلك كانت شديدة المنطقية من الناحية السياسية والصراعات والتيارات التي ماج بها المجتمع الإسلامي إبان وفاة النبي .

فبينما يعيش المسلمون اللحظة الصادمة ( وفاة النبي ) ، كانت ثلة من العقلاء النجباء من الصحابة يجتمعون في سقيفة بني ساعدة لتحديد ملامح مرحلة ما بعد الرسول ، فلم يكن الرسول ملكاً علي المسلمين ، بل كان ينظم حياتهم ، وترك المسلمون من بعده يختارون نظام الحكم المستمد من المبادىء التي وضعها الرسول ووضعها القرآن ، ومن هنا جاء نظام الخلافة الذي ولد من رحم إجتماع سقيفة بني ساعدة والمجادلة السياسية بين الصحابة مهاجرين وأنصار .

هناك مشادة حدثت بين المهاجرين والأنصار ، فالمهاجرين والذي كان أبو بكر وعمر أهم شخصيتين أنابت عن جمع المهاجرين في هذا الإجتماع ، عندما ترامي إلي مسامعهم ان الأنصار يتفقون ان يتولي واحداً منهم وهو سعد بن عبادة الأنصاري الخلافة ، لكن دارت مناقشات كبيرة حول الأمر وخلصت النتائج حول تولية أبي بكر الصديق الخلافة لما كان له سابقة في الاسلام .

نتج عن هذا الإجتماع ظهور حزب جديد له توجهات محددة وهو حزب المهاجرين برئاسة الخليفة الأول أبو بكر ، بينما أصبح عمر ابن الخطاب مهندس تولية أبو بكر للخلافة الرجل الثاني في الدولة الوليدة ومستشار أبو بكر الخاص .

لكن هناك حزبين خارج السلطة  كان لهم أرضية سياسية معتبرة أيضا وسيظهر لهم أدوار في الصراع القادم ، الأول حزب آل بيت النبي ويرأسه علي بن ابي طالب وكان هذا الحزب له جماهيرية وقاعدة شعبية عريضة ، وسيظهر علي بمظهر المدافع عن حقوق الفقراء فيما بعد ، لكن كان هذا الحزب علي خلاف حقيقي مع حزب المهاجرين ؟

الروايات تؤكد ان خلافاً كان موجوداً بين علي وأبي بكر ، وأنه لم يبايعه في لحظة توليه الخلافة بسبب إنشغال علي بدفن الرسول صلي الله عليه وسلم ، لكنه بعد شهور قليلة يقوم علي بالمبايعة وينتهي الخلاف السياسي بين الطرفين ويصبح علي مؤيدا لحزب المهاجرين ، ففي النهاية الحزبين حزب آل البيت والمهاجرين كانوا مرتبطين ببعضهم البعض في النهاية سواء في التوجهات او المصالح .

أما الحزب الثاني ، فهو الحزب الأرستقراطي القرشي القديم ، فهذه الأرستقراطية القديمة من بني أمية تحديداً كانت لها مصالح وتوجهات سواء قبل وفاة النبي أو بعد وفاته ، فقبل وفاة النبي كانوا هم السادة من قريش ، وهم المسيطرين علي التجارة والإقتصاد ، لكنهم في النهاية خضعوا للإسلام وظهر منهم من ظهر إخلاصه للدعوة الاسلامية ، فكبيرهم أبو سفيان بن حرب شارك في معارك ضد المرتدين وفي فتوح الشام في عهد أبو بكر وعمر وفقد عينيه في المعارك ، لكن في المجمل كان هذا الحزب هو الأخطر في الصراع القادم … الأخطر والأشرس .

عمر ابن الخطاب الملقب بالفاروق ، لن أتطرق علي السياسة العامة له ، بل سنناقش الناحية الإقتصادية لعمر ، فدائماً الروايات التاريخية تقول أن عمر شديد ، قوي في الحق ، يري أن إستئثار فئة من المسلمين علي الأموال عامة دون غيرهم من البلايا والخطايا ، لذلك عمل الرجل علي الإنحياز لجماهير المسلمين خاصة في العطاء من بيت المال الذي حدده حسب الأسبقية والأفضلية في الإسلام ، وحدد عطاءً خاصاً لأمهات المؤمنين زوجات الرسول ، وللمهاجرين والأنصار ، فكانت حركة الفتوح علي اشدها والأموال تتدفق من كل حدب وصوب ، والأموال توزع بالعدل حسب رؤية عمر وسياسته ، لكن هذا الأمر كان له معارضين وإن لم يصرحوا بالمعارضة .

المعارضة تشدد علي عمر عندما يصدر قانون بعدم تملك المسلمين الفاتحين الأراضي التي فتحت سواء في مصر او الشام أو العراق أو فارس ، فالمسلمين فتحوا هذه الأراضي وحسب ، أما أن يتملكوها فذلك من دروب المستحيل عند عمر ، أتبعها بقانون محاسبة الولاة وإطاره المقولة الشهيرة من أين لك هذا ، فكان يحاسبهم علي الدرهم والدينار .

كل هذه المبادىء العمرية أسست مرجعية إقتصادية للدولة الإسلامية ، كما نتج عن هذه السياسية إنحيازاً للفقراء والطبقات الجماهيرية من جمهور المسلمين ، ومحاربة ذوي النفوذ والأموال بمراقبتهم ومحاسبتهم إذا أخطئوا ، فما موقف الحزبين الأموي وآل البيت .

أما آل البيت فكان علي مؤيداً ومحباً لعمر ، مستشاراً وقاضياً في دولته ، وكانت المحبة متبادلة إنسانيا وسياسيا ، حيث كانت سياسة علي تتفق مع السياسة العمرية في إطارها العام وإطارها الخاص خاصة الإقتصادي منها ، فكان علي منحازاً للجماهير ايضا .

أما الحزب الأموي فلم يكن معارضاً لعمر في العلن ، لكن كان متأذيا من تلك السياسة ، فسياسة التضييق الإقتصادي أضرتهم ، ولم يتنفسوا الصعداء إلا بعد إستشهاد عمر ، فالبرغم من إستعانة عمر بهم في الشام علي سبيل المثال ، إلا أن هذه الإستعانة لها وجهين ، الأول هو أنها كانت محكمة بالمحاسبة والمراقبة ، والثانية انها كانت نوع من التنوع السياسي الذى قام به عمر بين كل التيارات السياسية في الدولة .

سياسة التقشف كانت سبب من أسباب إستشهاد عمر ، دائماً في الروايات الإسلامية ما نجد همز ولمز حول مقتل عمر وماهي دوافعه الحقيقية ، وهل كان لبني أمية يد في ذلك ؟ لا يوجد دليل قاطع علي ذلك ، إذن فالأمر مفتوح في هذه الحادثة وما يهمنا هو أن بني أمية تنفسوا الصعداء مع صعود عثمان بن عفان لتولي الخلافة ، ليبدأ فصلا آخر من فصول الحكاية … حكاية صراع بين قبلية تريد ان تستحوذ ومبادىء إسلامية تدعو إلي المساواة  وهذه كانت أول فصول الحكاية التي لا تزال مستمرة في  تاريخ المسلمين حتي يومنا هذا .

ابن الاثير ، الكامل في التاريخ ، ج2

الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، ج3