تفسير الشعراوي للأمر الإلهى للسيدة مريم العذراء بالآية 43
Andrew Mccoy
Published Mar 28, 2026
09/12 17:36
قال تعالي: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}.. [ال عمران : 43].
فكان ما تقدم من حيثيات الاصطفاء الاول، والاصطفاء الثاني، يستحق منها القنوت، اي العباده الخالصه الخاضعه الخاشعه. وقد يقول قائل: ولماذا يصطفي الله واحدا، ليشيع اصطفاؤه في الناس؟ لان الاصطفاء من الحق لابد ان يبرئه من كل ما يمكن ان يقع فيه نظيره من الاختيارات غير المرضيه، والحق سبحانه يريده نموذجاً لا يقع منه الا الخير، والمثال الكامل علي ذلك اصطفاء الحق سبحانه لرسوله محمد صلي الله عليه وسلم من اول الامر وجعله لا يفعل الا السلوك الطيب من اول الامر، وذلك حتي يعطينا الرسول القدوه الايمانيه في ثلاث وعشرين سنه هي مده الرساله المحمديه.
والحق يقول لمريم علي لسان الملائكه: {يامريم اقنتي لِرَبِّكِ} انه امر بالعباده الخاشعه المستديمه لربها، وكلمه {لِرَبِّكِ} تعني التربيه، فكان الاصطفاءات هي من نعم الله عليك يا مريم، وتستحق منك القنوت {واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} و{واسجدي} اي بَالِغِي في الخشوع، والخضوع، بوضع الجبهه التي هي اشرف شيء في الانسان علي الارض، لان السجود هو اعلي مرتبه من الخضوع.
لكن ايعفيها هذا اللون من الخضوع مما يكون من الركوع لله مع الناس؟ لا، انه الامر الحق يصدر لمريم {واركعي مَعَ الراكعين} ولا يعفيك من الركوع انك فعلت الامر الاعلي منه في الخضوع وهو السجود، بل عليك ان تركعي مع الراكعين، فلا يحق لك يا مريم ان تقولي: (لقد امرني الله بامر) اعلي ولم انفذ الامر الادني.
ان الحق يامرها ان تكون ايضا في ركب الراكعين مثلما نقرا قوله الحق عن الكفار: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين}.. [المدثر: 42-43].
انهم كفار، فكيف يصلون؟ انه اعتراف منهم بانهم كفار، ولم يكونوا مسلوكين في سلك من يصل، واعتراف بانهم لم يكونوا مسلمين او مؤمنين بالله. وهنا يسال سائل كريم: لماذا قال سبحانه وتعالي في خطابه لمريم: {يامريم اقنتي لِرَبِّكِ واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} ولم يقل الحق: مع الراكعات؟ هذا هو السؤال.
واجابه علي هذا السؤال نحب ان نمهد تمهيدا بسيطا الي فلسفه الاسماء في وضعها علي مسمياتها. ان الاسماء الفاظ من اللغه تعين مسماها. والمسميات مختلفه، فمنها الجماد، ومنها النبات ومنها الحيوان، ومنها الاسماء التي تدل علي عالم الغيب كالجن، والملائكه، وكل ما غيب الله. هذه الاسماء تدل علي معانيها.
وهدي الله سبحانه البشر اليها بما علم ادم من الاسماء، فكيف كان باستطاعه ادم التعبير عن معطيات الاسماء بمسمياتها؟ اذن لابد ان يوجد لكل شيء اسم حتي نستطيع حين نتفاهم علي الشيء او الكائن بان نذكر لفظا واحدا موجزاً يشير اليه.
ولو لم يكن يذكر هذا فكيف كان باستطاعه انسان ان يتكلم مع انسان اخر عن الجبل مثلا؟. اكان علي المتكلم ان ياخذ السامع الي الجبل ويشير اليه؟ ام يكفي ان يقول له لفظ (جبل) حتي يستحضر السامع في ذهنه صوره لهذا المسمي؟
اذن.. ففلسفه تعليم الحق للاسماء لنا ازاحت عنا عبئا كبيرا من صعوبه التفاهم. ولو لا ذلك لما استطعنا ان نتفاهم علي شيء الا اذا واجهنا الشيء واشرنا اليه. فكلمه (جبل) وكلمه (صخر) وغيرها من الكلمات هي اسماء لمسميات.. وعندما اتكلم علي سبيل المثال عن امريكا فانني لن اخذ السامع اليها واشير اليه قائلا (ان هذه هي امريكا)، لكن كلمه واحده هي (امريكا) تعطي السامع معني للمسمي، فتلحق الاحكام علي مسمياتها. وما دامت المساله هكذا فلابد من وجود اسماء لمسميات، هذه الاسماء علمها الله للانسان حتي يتفاهم بها والانسان اصله من ادم.
وكلمه (ادم) حينما تتكلم بها تجدها في النحو مذكره، والمذكر يقابله المؤنث. وقد خلق الحق الاعلي: الذكوره والانوثه؛ لان من تزاوجهما سيخرج النسل. اذن فكان لابد من التمييز بين النوعين للجنس الواحد. فالذكر والانثي، هما بنو ادم، ومنها ينشا التكاثر، لكن العجيب ان الله حين سمي ادم ونطقناه اسما مذكرا وسمي (حواء) ونطقناه اسما مؤنثا، وجعل سبحانه الاسم الاصيل الذي وجِدَ منه الخلق هو (نفس). لقد قال الحق: {ياايها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَهٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً واتقوا الله الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ والارحام اِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.. [النساء: 1].
لقد سمي الحق ادم بكلمه نفس، وهي مؤنثه، اذن فليس معني التانيث انه اقل من معني التذكير، ولكن (التذكير) هو فقط علامه لتضع الاشياء في مسمياتها الحقيقيه وكذلك التانيث. ان الحق سبحانه يطلق علي كل انسان منا (نفس) وهي كلمه مؤنثه، وحينما تكلم الحق سبحانه كلاما اخر عن الخلق قال: {ياايها الناس اِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وانثي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عَندَ الله اَتْقَاكُمْ اِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.. [الحجرات: 13].
وكلمه (ناس) تعني مجموع الانسان. وهكذا نعرف ان كلمه: (انسان) تُطلق مره علي المذكر، ومره اخري علي المؤنث. اذن فالحق قد اورد مره لفظا مذكرا، ومره اخري اطلق لفظا مؤنثا، وذلك حتي لا نقول: ان المذكر افضل واحسن من المؤنث، ولكن ذلك وسيله للتفاهم فقط، ولذلك يؤكد لنا الحق سبحانه انه قد وضع الاسماء لمسمياتها لنتعارف بها. {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا} .. [الحجرات: 13].
ومعني (لنتعارف) اي ان يكون لكل منا اسمٌ يعرف به عند الاخرين.
وفي حياتنا العاديه- ولله المثل الاعلي- نجد رجلا عنده اولاد كثيرون، لذلك يُطلق علي كل ابن اسما ليعرفه المجتمع به، والعجيب في هذه الايه الكريمه: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا}. اننا نجد كلمه (شعوبا) مذكره وكلمه (قبائل) مؤنثه. اذن فلا تمايز بالاحسن، ولكن الكلمات هنا مسميات للتعارف. والحق الاعلي يقول: {والعصر اِنَّ الانسان لَفِي خُسْرٍ اِلاَّ الذين امَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 1-3].
اذن فما وضع النساء اللائي امنّ؟ انهن يدخلن ضمن {الذين امَنُواْ}. ولماذا ادخل الله المؤنث في الذكر؟ لان المذكر هو الاصل، والمؤنث جاء منه فرعا. اذن فالمؤنث هو الذي يدخل مع المذكر في الامور المشتركه في الجنس. {يَااَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.. [البقره: 21].
وهذا يعني ان (المؤنث) عليه ان يدخل في تكليف العبوديه لله.
والمعني العام يحدد ان المطلوب منه العباده هو الانسان كجنس. وبنوعيه الذكر والانثي. وفي الامر الخاص بالمراه، ويحدد الله المراه بذاتيتها. فالحق سبحانه وتعالي يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَهٍ اِذَا قَضَي الله وَرَسُولُهُ اَمْراً اَن يَكُونَ لَهُمُ الخيره مِنْ اَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} ..[الاحزاب: 36].
لماذا؟ ان المساله هنا تشمل النوعين من الجنس الواحد: الرجل والمراه، زوج وزوجه، فمثلا نجد زوجا يريد تطليق زوجته، فياتي الحق بتفصيل يوضح ذلك. واذا كان هناك امر خاص بالمراه فالحق سبحانه وتعالي يحدد الامر فها هوذا قوله الحكيم: {يانساء النبي لَسْتُنَّ كَاَحَدٍ مِّنَ النساء اِنِ اتقيتن فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهليه الاولي وَاَقِمْنَ الصلاه وَاتِينَ الزكاه وَاَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ اِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس اَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.. [الاحزاب: 32-33].
ان كل ما جاء في الايه السابقه يحدد المهام بالنسبه لنساء النبي صلي الله عليه وسلم، فالخطاب الموجه يحدد الامر بدقه (لستن) و(اتقيتن)، و(لا تخضعن)، و(قرن)، و(لا تبرجن). الحديث في هذه الايه الكريمه يتعلق بالمراه لذلك ياتي لها بضميرها مؤنثا.